زكريا القزويني

140

آثار البلاد واخبار العباد

فيصيبهم مثل ذلك . وهذه الحكاية وإن كانت شبه الخرافات لكنها في جميع كتب أخبار مصر مكتوبة والبيت باق إلى الآن . وينسب إليها أبو الفيض ذو النون المصري ابن إبراهيم الاخميمي . انّه كان أوحد وقته علما وورعا وأدبا . وله حالات عجيبة أعجب من البرابي ، حكى سالم بن عبد اللّه المغربي قال : سألت ذا النون عن سبب توبته فقال : انّه عجيب لا تطيقه ! فقلت : وحقّ معبودك الّا أخبرتني ! فقال : خرجت من مصر أريد بعض القرى ، فنمت في بعض الطريق ففتحت عيني ، فإذا أنا بقنبرة عمياء سقطت من وكرها على الأرض ، فانشقّت الأرض فخرجت منها سكرّجتان إحداهما ذهب والأخرى فضّة ، وفي إحداهما سمسم وفي الأخرى ماء ، فجعلت تأكل من هذا وتشرب من هذا ، فقلت : حسبي لزمت الباب حتى قبلني . 1 توفي سنة خمس وأربعين ومائتين . وحكى يوسف بن الحسين قال : بلغني أن ذا النون يعرف اسم اللّه الأعظم ، فقصدت مصر وخدمته سنة ثمّ قلت له : أيّها الأستاذ أثبتّ عليك حقّ الخدمة ، أريد أن تعرفني اسم اللّه الأعظم ولا تجد له موضعا مثلي . فسكت حتى أتى على هذا ستّة أشهر ، ثمّ أخرج لي يوما طبقا ومكنّة مشدودا في منديل ، وكان ذو النون بالجيزة ، قال لي : أتعرف صديقنا فلانا بالفسطاط ؟ قلت : نعم . قال : أريد أن تؤدي إليه هذا . قال : فأخذت الطبق وامشي طول الطريق وأتفكّر في ذلك ، فلم أصبر حتى حللت المنديل ورفعت المكنّة ، فإذا فأرة على الطبق أفلتت ومرّت فاغتظت من ذلك وقلت له : إنّه يسخر بي ! فرجعت إليه مغتاظا . فلمّا رآني عرف ما في وجهي فقال : يا أحمق ائتمنتك على فأرة فخنتني ! أفآتمنك على اسم اللّه الأعظم ؟ مرّ عني لا أراك .